تقارير

انتصار الدّم على السّيف..تراجع امريكي وثبات المحور

ما قبل إعلان جنيف التاريخي.. تراجع أمريكي قسري ورسالة النصر والمرحلة القادمة — طلال نحلة

الجمعة 12 حزيران 2026
ساعة الحقيقة وسقوط الخيارات العسكرية
ندخل اليوم الخامس بعد المئة من هذه الحرب، ونحن نقف على أعتاب إعلان تاريخي يطوي صفحة أخطر مواجهة عسكرية في العصر الحديث. الساعات الماضية لم تكن مجرد وقت ضائع، بل كانت المساحة الزمنية التي أسقطت فيها واشنطن وتل أبيب آخر أوهام الحسم العسكري، ورضختا للتوازنات التي فرضها محور المقاومة بالدم والنار. الاتفاق بات قاب قوسين أو أدنى، والوفود تحزم حقائبها نحو جنيف، بينما يضطر جيش الاحتلال الإسرائيلي لابتلاع كبريائه وتقليص عملياته العسكرية صاغرا لتمرير التسوية، في مشهد يكرس فشل آلة الحرب الغربية مجتمعة في كسر إرادة المحور.

أولا: المسار الدبلوماسي.. اللمسات الأخيرة نحو جنيف
انتقلت الدبلوماسية من مرحلة جس النبض إلى كتابة الحروف النهائية على مسودة إسلام آباد، وسط تكتم شديد وحذر إيراني بالغ:
* النضوج النهائي للمسودة: أعلن رئيس الوزراء الباكستاني رسميا التوصل إلى النص النهائي المتفق عليه لاتفاقية السلام، مؤكدا أن السلام لم يكن قريبا كما هو الآن، بالتزامن مع توجه وزير خارجيته الليلة إلى جنيف لاستكمال الترتيبات.
* الحسم في طهران: أدارت طهران مفاوضاتها بأعصاب باردة؛ حيث أكدت الخارجية الإيرانية على لسان عباس عراقجي أن مذكرة التفاهم باتت أقرب من أي وقت مضى، داعيا لعدم الانجرار وراء التكهنات الإعلامية الغربية. وتعقد الجهات المختصة في طهران اجتماعاتها الأخيرة لحسم الموقف، مع التشديد الدائم من قبل رئاسة الأركان على أن قدرات إيران العسكرية هي دفاعية رادعة، وأن طهران لن تسعى أبدا لامتلاك سلاح نووي، مما يسقط الذرائع الأمريكية.
* الطمأنة الأمريكية لتل أبيب: في ظل التأكيدات الفرنسية والأمريكية بأن التفاهم يشمل لبنان كليا، سارعت واشنطن لتطمين حكومة بنيامين نتنياهو. وأبلغ مسؤولون أمريكيون الكيان الإسرائيلي بأن التفاصيل الإعلامية المتداولة غير دقيقة، وأن واشنطن واثقة من دعم الإسرائيليين للاتفاق فور إطلاعهم على كامل آليات تنفيذه المُلزمة. وتوقع دونالد ترامب شخصيا أن يتم التوقيع مطلع الأسبوع أو الإثنين على أبعد تقدير.

ثانيا: الرعب الأمريكي المخفي.. إلغاء خطة الغزو البري
كشفت شبكة سي إن إن الأمريكية اليوم عن سر التراجع المفاجئ لدونالد ترامب وانتقاله من التهديد إلى التسوية، وهو تفصيل يثبت حجم قوة الردع الإيرانية. فقد أعد الجيش الأمريكي أواخر شهر أيار الماضي خطة شديدة السرية والعجلة لإرسال قوات برية أمريكية إلى الداخل الإيراني للاستيلاء المادي على اليورانيوم المخصب.
لكن، وبعد اجتماع سري عقده الجنرال دان كين في مقر القيادة المركزية بولاية فلوريدا، اضطر ترامب شخصيا لإلغاء وإيقاف هذه الخطة بشكل فوري. السبب الحقيقي وراء هذا الإلغاء كان الرعب من العواقب الكارثية، حيث أدرك البنتاغون أن غزوا بريا سيؤدي إلى خسائر بشرية وعسكرية فادحة جدا في صفوف الجنود الأمريكيين، وسيفجر تداعيات اقتصادية عالمية تدمر أسواق الطاقة بلا رجعة. هذا التراجع هو اعتراف أمريكي صريح بصلابة الدفاعات والقدرات الإيرانية.

ثالثا: الجبهة اللبنانية.. تراجع إسرائيلي إجباري ومعادلات المقاومة
انعكس اقتراب التوقيع مباشرة على سلوك جيش الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان:
* تقييد حركة الجيش: كشفت هيئة البث الإسرائيلية وقناة كان عن صدور توجيهات صارمة من المستوى السياسي الإسرائيلي لقيادة الجيش بضرورة تقليص العمليات العسكرية في لبنان، وتأجيل أي هجمات غير عاجلة، وتقييد النشاط كليا داخل العاصمة بيروت، لتجنب نسف المفاوضات الأمريكية الإيرانية في لحظاتها الحاسمة.
* الردود الموضعية: رغم قرار التقليص، حاول العدو حفظ ماء الوجه بشن غارات جوية ومدفعية على الصرفند، الجبل الرفيع، سجد، والمنطقة الواقعة بين أرنون وكفرتبنيت. في المقابل، وبحكمة الميدان، أبقت المقاومة الإسلامية على ردعها النقطي المدروس؛ حيث وجهت مسيرة انقضاضية استهدفت مربض المدفعية المستحدث التابع لجيش العدو في تلة الحمامص جنوب الخيام، لتثبيت قاعدة أن يد المقاومة لا تزال هي العليا.

رابعا: رسالة استراتيجية وروحية إلى بيئة المقاومة.. الإعداد لما هو أعظم
إننا نقف اليوم على أعتاب مرحلة تاريخية كبرى. يجب أن ندرك أن كل محنة قاسية مررنا بها لم تزدنا إلا قوة وصلابة، فالحروب المتعاقبة كانت مدرسة علمتنا الكثير، ولولا هذه التحديات الجسام لبقينا نراوح في أماكننا.
قد يبدو تبدل القادة وارتقاؤهم في الميادين جرحا غائرا، لكنه يحمل في طياته نعمة التجديد؛ فالشهداء الأبرار أدوا أدوارهم وأماناتهم على أكمل وجه، والمرحلة الجديدة تتطلب تجديدا فكريا ونضوجا بنيويا يتناسب مع حجم التحديات والمكتسبات القادمة.
إذا تم التوقيع على هذا الاتفاق، فتأملوا جيدا في توقيته ومساراته لتدركوا أن خلفه حكمة إلهية بالغة. لمن يسأل عن كيفية حدوث هذا الانتصار الكبير، فإن الإجابة الحقيقية تكمن في الروح التي صقلتها مجالس عاشوراء فابحثوا عن الإجابات في تلك الخيم.
يا إخوتي، ركزوا دائما على هذه الأسس الاستراتيجية: هذا المسار التفاوضي كان يمضي منذ ما قبل إعلان الحربين الأولى والثانية. وما هذه الحروب الدموية التي شنت علينا إلا محاولات يائسة للضغط وكي الوعي من أجل إنجاح المفاوضات بشروطهم، وليس لمجرد إيقاف القتال. لقد كانت الحرب بمعناها الشمولي متوقفة، وعندما استؤنفت في أواخر شباط، أخذت طابعا وجوديا بحتا لنا.
يجب أن نعلم أن المعارك القاسية في مياه الخليج وصمود الرجال في قرى الجنوب كانت الأوراق التفاوضية والمكتسبات الحقيقية التي أسقطت الغطرسة الأمريكية، والقيادة في طهران تدرك ذلك جيدا، ولولا هذا الصمود العظيم لما بقيت خطوط الاتصال مفتوحة حتى هذه اللحظة.
مبروك لكم هذا الانتصار العظيم. إن دماء الشهداء، وعلى رأسهم سماحة السيد القائد، لم تكن إلا فداء مقدسا وجسرا لنعبر من خلاله إلى مرحلة العز والاقتدار والقوة القادمة التي لا تقهر.

الخلاصة الميدانية والسياسية
تنتهي هذه الجولة وقد سجل التاريخ أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومحور المقاومة بقيا صامدين كالطود العظيم، يواجهان أعظم الإمبراطوريات والترسانات العسكرية والسياسية في العالم دون أن ترتجف لهم راية. لقد أسقط المحور خطط الغزو البري، وأغلق المضائق، وضرب القواعد، وفرض شروطه الميدانية على طاولة جنيف.
إذا تم التوقيع، فهو انتصار للدم على السيف، ولكن ليعلم الجميع أن الثقة بوعود الأمريكيين معدومة. إن أي إخلال بأي بند من بنود الاتفاق، أو أي محاولة التفاف على التعهدات تجاه لبنان والمنطقة، سيقابل برد لا تحمد عقباه. المحور يفاوض اليوم من موقع المنتصر القوي، والإصبع كان وسيبقى دائما وأبدا على الزناد.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى