في الجنوب… العيد يُخاط على قياس الأكفان

في الجنوب… العيد يُخاط على قياس الأكفان
زينب كحلون
*في الجنوب… العيد يُخاط على قياس الأكفان*
في أماكنٍ أخرى من العالم، يستقبل الناس العيد بالثياب الجديدة، بالضحكات، بروائح الحلوى التي تعبق في البيوت، وبأطفالٍ يعدّون الأيام فرحًا.
أما في جنوب لبنان، فالعيد يأتي مثقّلًا بالدخان، محمولًا على أصوات الغارات، ومغمّسًا بدموع الأمهات اللواتي لم يعدن يسألن عن الألعاب والهدايا، بل عن الطرق الآمنة لانتشال أطفالهن من تحت الركام.
هنا، لا تُفتح خزائن الثياب الجديدة، بل تُفتح أبواب المآتم.
لا تُجهَّز زينة العيد، بل تُجهَّز الأكفان البيضاء الصغيرة… تلك التي باتت تُفصَّل على قياس الطفولة.
في الجنوب، صار الأطفال يحفظون صوت الطائرة أكثر مما يحفظون أناشيد العيد.
يعرفون معنى “الإنذار”، ومعنى “النزوح”، ومعنى أن تنام العائلة بكاملها في غرفةٍ واحدة لأن الموت قد يطرق أي زاوية من البيت.
حتى ألعابهم لم تعد بريئة؛ طفلٌ يرسم طائرة تقصف، وآخر يبني بيتًا من الوسائد ثم يهدمه بيده، كأن الحرب تسللت إلى خيالهم الصغير وسرقت منهم حقهم الطبيعي بالحياة.
المجازر لا تُحصى بالأرقام فقط، بل بالأحلام التي انتهت قبل أن تبدأ.
كل شهيدٍ طفل هو قصة مدرسة لم تكتمل، وضحكة انطفأت، وأمّ كانت تنتظر أن تكبر يد صغيرها لتسندها يومًا، فإذا بها تحمل نعشه بدلًا من أن تمسك كفّه إلى العيد.
وفي كل مرة تُقصف فيها قرية جنوبية، لا يسقط الحجر وحده، بل يسقط جزءٌ من قلب هذا الوطن.
بيوتٌ تُمحى، عائلاتٌ تُقتلع من ذاكرتها، وأمهاتٌ يقفن وسط الركام يبحثن عن صورة، عن لعبة، عن بقايا صوتٍ كان يملأ المنزل حياة.
أيُّ وجعٍ هذا الذي يجعل العيد موعدًا للمجازر؟
وأيُّ قهرٍ أكبر من أن تُخيّر الأم بين البقاء تحت النار أو النزوح تاركةً خلفها البيت والعمر والذكريات؟
الجنوب اليوم لا يطلب الكثير.
يريد فقط أن يعيش أطفاله كأطفال العالم.
أن يرتدوا ثياب العيد بدل الأكفان، وأن يركضوا خلف الفرح بدل الركض نحو الملاجئ، وأن يناموا على حكايات الأمهات لا على هدير الطائرات.
لكن رغم كل الدم، ما زال الجنوب واقفًا.
متعبًا… نعم، موجوعًا… نعم، لكنه لم ينكسر.
فالقرى التي تودّع شهداءها كل يوم، ما زالت تزرع الحياة بين الركام، وما زالت الأمهات، رغم الفقد، يخبزن الصبر لأطفالهن الباقين.
ويبقى المشهد الأقسى:
طفلٌ كان ينتظر ثوب العيد…
فحملوه بكفنٍ أبيض نحو السماء.




