مقالات

ليلةُ العيد التي ذُبح فيها الجنوب

*ليلةُ العيد التي ذُبح فيها الجنوب*

زينب كحلون

في ليلةِ عيدِ الأضحى،
تُرفَعُ تكبيراتُ العيد في السماء،
ويُرفَعُ معها دخانُ الجنوب…
إنذاراتٌ تتبعها غارات،
وبيوتٌ تُذبحُ على مرأى العالم،
حتى صار الناسُ هم الأضاحي
في وطنٍ سلطتُه صامتة،
تعدُّ المجازرَ بالأرقام
وتنسى أن تحت الركام قلوبًا وأطفالًا وأحلامًا.
وفي القرى الجنوبية، لم يكن الأهالي يستعدّون للعيد كما يفعل الناس عادةً؛
لا ثياب جديدة تُرتَّب،
ولا موائد تُحضَّر بطمأنينة،
بل حقائب صغيرة قرب الأبواب،
ونظرات طويلة نحو السماء،
وخوفٌ ثقيل يسكن تفاصيل الليل.
المراسلون يتحدّثون عن “غارات مكثّفة”،
لكن أحدًا لا ينقل صوت الأمّ التي كانت تضمّ أطفالها مع كلّ انفجار،
ولا الشيخ الذي بقي أمام منزله المهدّم يردّد:
“كنّا ننتظر العيد… فجاءنا الموت.”
وفيما كانت شاشات العالم تعرض الأخبار ببرودٍ عابر،
كان الجنوب ينزف وحيدًا،
يزفّ شهداءه بصمت،
ويعلّم أبناءه أن العيد أحيانًا
ليس تكبيراتٍ وثيابًا جديدة،
بل صمودُ الناس حين يُتركون وحدهم في وجه النار.
فهنا، لا تُحصى الغارات بعددها،
بل بعدد القلوب التي توقّفت من الخوف،
وعدد الأمهات اللواتي نمن على صوت القصف بدل تكبيرات العيد.
هنا، صار الأطفال يحفظون أسماء الصواريخ
أكثر مما يحفظون أناشيد العيد،
وصار الركام عنوانَ البيوت،
والنزوحُ عادةً موسميةً تتكرّر مع كلّ عدوان.
أيُّ عيدٍ هذا
والأكفانُ تُفصَّل على قياس الأبرياء؟
وأيُّ عالمٍ هذا
الذي يشاهد المجازرَ مباشرةً
ثم يغيّر القناة؟
الجنوب لا يطلب شفقة أحد،
بل يكتب بدمه أنّ الكرامة لا تُقصف،
وأن القرى التي تعانق الشهادة
لا تموت مهما اشتعلت السماء فوقها.
وفي ليلةٍ كان يُفترض أن تُذبح فيها الأضاحي قربانًا لله،
ذُبح الأبرياء قربانًا لصمت العالم…
لكن الجنوب، رغم النار،
ما زال يرفع رأسه كأنه يقول:
“نُؤلم… نعم، لكننا لا ننكسر.”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى