يا ريت فيّي ضبّ بيتي بشنطة

يا ريت فيّي ضبّ بيتي بشنطة
زينب كحلون
كنّا في أيامٍ عادية نتذمّر من الجلوس الطويل في المنزل، نقول إنّ الجدران ضيّقة، وإنّ الروتين يخنقنا، ولم نكن نعلم أنّ يومًا سيأتي نتمنّى فيه فقط أن نبقى داخل تلك الجدران بأمان.
وفجأة… تغيّر كلّ شيء.
صارت أصوات الإنذارات أقوى من أصوات الحياة، وصار الخبر الأصعب هو أن يُطلب منك ترك بيتك خلال دقائق، وكأنّ العمر كلّه يمكن أن يُختصر بعجلة وخوف وحقيبة صغيرة.
“ضبّوا أغراضكم الضرورية.”
جملة قصيرة… لكنّها كانت كفيلة بأن تهزّ القلوب.
كيف يمكن للإنسان أن يختار ماذا يأخذ من عمره؟
كيف يمكن أن يترك سريره الذي نام عليه سنين، صور طفولته، ضحكات أهله، رائحة القهوة في الصباح، صوت الباب، تفاصيله الصغيرة التي كانت تشبهه؟
كان الناس يفتحون خزائنهم بأيدٍ ترتجف، لا يعرفون ماذا يحملون وماذا يتركون، وفي داخل كلّ واحد منهم صرخة لا تُقال:
“يا ريت فيّي ضبّ بيتي كلّه بشنطة…”
ليس لأنّ البيت مجرد حجر… بل لأنّه حياة كاملة.
لأنّ كلّ زاوية فيه تحمل ذكرى، وكلّ حائط شهد تعبًا وحلمًا وضحكة ودمعة.
بعض الناس خرجوا وهم ينظرون خلفهم للمرة الأخيرة، كأنّهم يودّعون قطعة من أرواحهم.
وبعضهم عاد فلم يجد سوى الركام.
بيتٌ كان مليئًا بالحياة، صار غبارًا وصمتًا.
غرف كانت تضجّ بالأحاديث، أصبحت فراغًا موحشًا.
وصورٌ بقيت تحت الحجارة تبحث عمّن يلتقطها من بين الدمار.
ومع ذلك… لم ينكسروا.
رغم الخوف، ورغم النزوح، ورغم الليالي الثقيلة التي نام فيها الناس بعيدًا عن بيوتهم، بقي في القلوب شيء أقوى من الحرب.
بقي الإيمان بأنّ البيوت تُهدم وتُبنى، أمّا الكرامة فلا يجب أن تسقط.
لهذا، حين خسر كثيرون منازلهم، لم يخسروا انتماءهم.
وحين احترقت الجدران، بقيت العزيمة مشتعلة.
قالوا بوجعٍ يملأ القلب لكن بثباتٍ لا يهتز:
“مش مهم البيوت… المهم تبقى الأرض، وتبقى الكرامة، وتبقى المقاومة.”
لأنّ الإنسان حين يُجبر على ترك منزله، يدرك أنّ الوطن ليس مجرد مكان نسكنه… بل روح نسكن فيها.
وأنّ أقسى أنواع الوجع ليس أن تخسر بيتًا، بل أن تخرج منه وأنت لا تعرف إن كنت ستراه مرةً أخرى.




